فصل: الخبر عن أجلاب عبد الله بن صغير

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبرعن حركة أبي حمو على ثغور المغرب

كان ونزمار من عريف متولي كبر هذه الفتن على أبي حمو وبعث الأعياص عليه واحداً بعد واحد بما كان بينهم من العداوة المتصلة كما قدمناه‏.‏وكان منزله كرسيف من ثغور المغرب‏.‏وكان جاره حمد بن زكدان كبير بني علي من بني ونكاسن الموطنين بجبل دبدو كانت أيديهما عليه واحمة‏.‏فلما سكن غرب الثوار عنه وأزاحهم عن وطنه إلى المغرب وانعقد سلمه معهم رأى أن يغزو هذين الأميرين في ثغورهما فاعتمل الحركة إلى المغرب فاتح سنة ست وستين‏.‏وانتهى إلى دبدو وكرسيف‏.‏وأجفل ونزمار فامتنع بمعاقل الجبال فانتهب أبو حمو الزروع وشمل بالتخريب والعيث سائر النواحي‏.‏وقصد محمد من زكدان أيضاً في معقل دبدو فامتنع بحصنه الذي اتخذه هنالك‏.‏وعاد عليه أبو حمو بركابه وجاس خلال وطنه وشمل بالتخريب والعيث نواحي بلده وانكفأ إلى حضرته وقد عظمت في تخوم بني مرين وثغورهم نكايته وثقلت عليهم وطأته وانعقدت بينهما تعديل المهادنة والسلم‏.‏وانصرفت عزائمه إلى بلاد إفريقية فكانت حركته إلى بجاية من العام المقبل ونكبته عليها كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبرعن حركة السلطان أبي حمو إلى بجاية ونكبته عليها

كان صاحب بجاية المولى الأميرأبوعبد الله لما استولى عليها وعادت اليه في العودة الثانية سنة خمس وستين كما ذكرناه في أخباره زحف بعدها إلى تدلس فغلب عليها بني عبد الواد وأنزل بها عامله وحاميته‏.‏ثم أظلم الجو بينه وبين صاحب قسنطينة السلطان أبي العباس ابن عمه الأمير أبي عبد الله لما جرت بينهم المتاخمة في العمالات فنشأت بينهما فتن وحروب شغل بها عن حماية تدلس وألحت عليها عساكر بني عبد الواد بالحصار‏.‏واحيط بها فأوفد رسله على السلطان أبى حمو صاحب تلمسان في المهادنة على النزول له عن تدلس فتسلمها أبو حمو وأنزل بها حاميته‏.‏وعقد معه وأصهر إليه في ابنته فأجابه وزفها إليه فتلقاها قبيله و وزراءه بآخر عملهم من حدود بجاية‏.‏وفرغ صاحب بجاية لشأنه وكان أثناء الفتنة معه قد بعث إلى تونس عن أبي زيان ابن عمه السلطان أبي سعيد لينزله بتدلس ويشغل به السلطان أبا حمو عن فتنته‏.‏وكان من خبر أبي زيان هذا أنه أقام بتونس بعد مهلك الحاجب أبي محمد بن تافراكين كما ذكرناه إلى أن دس إليه مرضى القلوب من مشيخة بني عبد الواد بتلمسان بالأجلاب على السلطان أبي حمو ووعدوه من أنفسهم الجنوح معه فصغى إليها واعتدها وارتحل يريد تخوم تلمسان وعمل بجاية‏.‏ومر بقسطنطينة فتجافى عن الدخول إليها وتنكر لصاحبها‏.‏وبلغ خبره السلطان أبا العباس صاحبها يومئذ فأجمع أمره في صده عن وجهه وحبسه بقسنطينة واتصلت الفتنة بينه وبين ابن عمه صاحب بجاية‏.‏وكان شديد الوطأة على أهل بلده مرهف الحد لهم بالعقاب الشديد حتى لقد ضرب أعناق خمسين منهم قبل أن يستكمل سنتين في ملكه‏.‏فاستحكمت النفرة وساءت الملكة وأعضل الداء وفزع أهل البلد إلى مداخلة السلطان أبي العباس في إستنقاذهم من ملكة والهلاك بما كان أتيح له من الظهور على أميرهم فنهض إليها آخر سنة سبع وستين‏.‏وبرز الأمير أبو عبد الله للقائه بلبرو الجبل المطل على تاكررت‏.‏وصبحه السلطان أبو العباس بمعسكره هنالك فاستولى عليه وركض وهو فرسه ناجياً بنفسه‏.‏ومرت الجنود تعادي في أثره حتى أعركوه فأحاطوا به وقتلوه قعصاً بالرماح عفا الله عنه‏.‏وأجاز السلطان أبو العباس إلى البلد فدخلها منتصف يومه لعشرين من شعبان‏.‏ولاذ الناس به من دهش الواقعة وتمسكوا بدعوته وأتوه طاعتهم‏.‏فانجلت الغيابة واستقام الأمر وبلغ الخبرإلى السلطان أبي حمو فأظهر الامتعاض لمهلكه والقيام بثأره يسر من ذلك حسواً في ارتغاء‏.‏ونهض يجر الأمم إلى بجاية من العرب وزناتة والحشد حتى أناخ بها وملأ بخيامه الجهات بساحتها وجنح السلطان إلى مبارزته فتمسك به أهل البلد ولاذوا بمقامه فأسعفهم وطير البريد إلى قسنطينة فأطلق أبا زيان من الاعتقال وسوغه الملابس والمراكب والآلة‏.‏وزحف به مولاه بشير في عسكره إلى أن نزل حذاء معسكر أبي حمو‏.‏واضطربوا محلتهم بسفح بني عبد الجبار وشنوا الغارات على معسكر أبي حمو صباح مساء لما كان نمي إليهم من مرض قلوب جنده والعرب الذين معه‏.‏وبدا للسلطان أبي حمو ما لم يحتسب من امتناعها‏.‏وكان قد تقدم إليه بعض سماسرة الفتن بوعد على لسان المشيخة من أهل البلد أطمعه فيها ووثق بأن ذلك يغنيه عن الاعتداء فاستبق إليها وأغفل الحزم فيما دونها‏.‏فلما امتنعت عليه أطبق الجو على معسكره وفسدت السابلة على العير للميرة واستحكم الزبون في أحياء معسكره بظهور العدو المساهم في الملك‏.‏وتبادرت رجالات العرب سوء المغبة وسطوة السلطان فتمشوا بينهم في الانفضاض وتحينوا لذلك وقت المناوشة وكان السلطان لما كذبه وعد المشيخة أجمع قتالهم وأمر بضرب الفساطيط مضايقة للأسوار متسنمة وعراً من جبل لم يرضه أهل الرأي‏.‏وخرج رجال البلد على حين غفلة فتجاولوا من كان بتلك الأخبية من المقاتلة فانهزموا أمامهم وتركوها بأيديهم فمزقوها بالسيوف‏.‏وعاين العرب على البعد انتهاب الفساطيط فأجفلوا وانفض المعسكر بأجمعه‏.‏وحمل السلطان أبو حمو أثقاله للرحلة ثم أجهدوه عنها فتركها وانتهب مخلفه أجمع‏.‏وتصايح الناس بهم من كل حدب وضاقت المسالك من ورائهم وأمامهم وكظت بزحامهم وتواقعوا لجنوبهم فهلك الكثير منهم وكانت من غرائب الواقعات تحدث الناس بها زماناً‏.‏وسيقت حظاياه إلى بجاية واستأثر منهن الأمير أبو زيان بحظيته الشهيرة ابنة يحيى الزابي ينسب إلى عبد المؤمن بن علي‏.‏وكان أصهرفيها إلى أبيها أيام تقلبه في الاغتراب ببلاد الموحدين كما سبق وكانت أعلق بقلبه من سواها فخرجت في مغانم الأمير أبي زيان‏.‏وتحرج عن مواقعتها حتى أوجده أهل الفتيا السبيل إلى ذلك بحيث زعموا وقع من السلطان أبي حمو في نسائه‏.‏وخلص السلطان أبو حمو من هوة ذلك العطب بعد غصة الريق ونجا الى الجزائر لا يكاد يرد النفس من شناعة ذلك الهول‏.‏ثم خرج منها ولحق بتلمسان واقتعد سرير ملكه‏.‏واشتدت شوكة أبي زيان ابن عمه وتغلب على القاصية واجتمعت إليه العرب وكثر تابعه‏.‏وزاحم السلطان أبا حمو بتلك الناحية الشرقية سنين تباعاً نذكر الآن أخبارها‏.‏

  الخبر عن خروج أبي زيان بالقاصية الشرقية من بلاد حسين وتغلبه علي المدية

والجزائر ومليانة وما كان من الحروب معه لما انهزم السلطان أبوحمو بساحة بجاية عشي يومه من أوائل ذي الحجة خاتم سبع وستين قرع الأمير أبو زيان طبوله واتبع أثره وانتهى إلى بلاد حصين من زغبة‏.‏وكانوا سئمين من الهضيمة والعسف إذ كانت الحول تجريهم مجرى الرعايا المعتدة في المغرم وتعدل بهم عن سبيل إخوانهم من زغبة أمامهم ووراءهم فارتكبوا صعب الشقاق لمغبة العز وبايعوه على الموت الأحمر ووثقوا بمعتصمهم من جبل تيطرى إن دهمهم عسكر السلطان‏.‏ثم أجلبوا على المدية كان بها عسكر ضخم للسلطان أبي حمو لنظر وزرائه‏:‏ عمران بن موسى بن يوسف وموسى بن برغوث ووادفل بن عبو بن حماد ونازلوهم أياماً ثم غلبوهم على البلد‏.‏وملكها الأمير أبو زيان ومن على الوزراء ومشيخة بني عبد الواد وترك سبيلهم إلى سلطانهم‏.‏وسلك الثعالبة في سبيل حصين في التجافي عن ذل المغرم فأعطوه يد الطاعة والانقياد للأمير أبي زيان‏.‏وكانت في نفوس أهل الجزائر نفرة من جور العمال عليهم فاستمالهم بها سالم بن إبراهيم بن نصر أمير الثعالبة إلى طاعة الأمير أبي زيان‏.‏ثم دعا أبو زيان أهل مليانة إلى مثلها فأجابوه‏.‏واستمل السلطان أبو حمو نظره في الفكرة الحاسمة لرأيهم فبعث في العرب وبذل المال وأقطع البلاد على اشتطاط منهم في الطلب‏.‏وتحرك إلى بلاد توجين ونزل قلعة ابن سلامة سنة ثمان وستين يحاول طاعة أبي بكر بن عريف أمير سويد‏.‏فلم يلبث أن انحرف عنه أيضاً خالد بن عامر ولحق بأبي بكر بن عريف واجتمعا على الخلاف عليه ونفض طاعته‏.‏وشنوا الغارة على معسكره فاضطرب وأجفلوا وانتهبت محلاته وأثقاله ورجع إلى تلمسان‏.‏ثم نهض إلى مليانة فافتتحها وبعث إلى رياح على حين طاعتهم إليه من يعقوب بن علي بن أحمد وعثمان بن يوسف بن سليمان بن علي أميري الدواودة لما كان وقع بينهما وبين السلطان مولانا أبي العباس من النفرة فاستنهضوه للحركة على الأميرأبي زيان وبعدها إلى بجاية‏.‏وضمنوا له طاعة البدو من رياح وبعثوا إليه ذمتهم على ذلك فردها وثوقاً بهم ونهض من تلمسان وقد اجتمع إليه الكثير من عرب زغبة‏.‏ولم يزل أولاد عريف بن يحيى وخالد بن عامر في أحيائهم منحرفين عنه بالصحراء‏.‏وصمم إليهم فأجفلوا أمامه وقصد المخالفين من حصين والأمير أبي زيان إلى معتصمهم بجبل تيطرى‏.‏واغذ إليه السيريعقوب بن علي وعثمان بن يوسف بمن معهم من جموع رياح حتى نزلوا بالقطعة حذاهم‏.‏وبادر أولاد عريف وخالد بن عمر إلى الدواودة ليشردوهم عن البلاد قبل أن تتصل يد السلطان بيدهم فصبحوهم يوم الخميس اخريات ذي القعدة من سنة تسع وستين ودارت بينهم حرب شديدة وأجفل الدواودة أولاً ثم كان الظهور لهم آخراً‏.‏وقتل في المعركة من زغبة عدد ويئسوا من صدهم عما جاءوا إليه فانعطفوا إلى حصين والأمير أبي زيان وصعدوا إليهم بناجعتهم وصاروا لهم مدداً على السلطان أبي حمو وشنوا الغارة على معسكره فصمدوا نحوه وصدقوه القتال فاختل مصافه وانهزمت عساكره ونجا بنفسه إلى تلمسان على طريق الصحراء‏.‏وأجفل الدواودة إلى وطنهم وتحيز كافة العرب من زغبة إلى الأمير أبي زيان واتبع آثار المنهزمين ونزل بسيرات‏.‏وخرج السلطان أبو حمو في قومه ومن بقي معه من بني عامر‏.‏وتقدم خالد إلى مصادمته ففله السلطان وأجفل القوم من ورائه‏.‏ثم تلطف في مراسلته وبذل له المال وأوسع له في الاشتراط فنزع إليه والتبس بخدمته‏.‏ورجع الأمير أبو زيان إلى أوليائه من حصين متمسكاً بولاية أولاد عريف‏.‏ثم نزع محمد بن عريف إلى طاعة السلطان‏.‏وضمن له العدول بأخيه عن مذاهب الخلاف عليه وطال سعيه في ذلك فاتهمه السلطان‏.‏وحمله خالد بن عامر عدوه على نكبته فتقبض عليه وأودعه السجن‏.‏واستحكمت نفرة أخيه أبي بكر ونهض السلطان بقومه وكافة بني عامر إليه سنة سبعين‏.‏واستغلظ أمر أبي بكر لجموع الحارث من بني مالك ومن وراءهم من حصين واعتصموا بالجبال من دراك وتيطرى‏.‏ونزل السلطان بجموعه لعود‏:‏ بلاد الديالم من الحرث فانتسفها والتهمها وحطم زروعها ونهب مداشيرها‏.‏وامتنع عليه أبو بكر ومن معه من الحارث وحصين والأمير أبو زيان بينهم فارتحل عنهم وعطف على‏:‏ أولاد عريف وقومهم من سويد فملأها عيثا‏.‏وخرب قلعة ابن سلامة بما كانت أحسن أوطانهم‏.‏ورجع إلى تلمسان وهو يرى إن كان قد شفا نفسه في أولاد عريف وغلبهم على أوطانهم ورفع عليهم منزلة عدوهم فكان من لحاق أبي بكر بالمغرب وحركة بني مرين مانذكره‏.‏

  الخبر عن حركة السلطان عبد العزيز على تلمسان واستيلائه عليها

ونكبة أبي حمو وبني عامر بالدوسن من بلاد الزاب وخروج أبي زيان من تيطرى إلي أحياء رياح ولما تقبض أبوحمو على محمد بن عريف وفرق شمل قومه سويد وعاث في بلادهم أجمع رأى أخوه الأكبر أبو بكر على الصريخ بملك المغرب فارتحل إليه بناجعته من بني مالك أجمع من أحياء سويد والديالم والعطاف حتى احتل بسائط ملوية من تخوم المغرب‏.‏وسار إلى أخيه الأكبر ونزمار بمقره من قصر مراده الذي اختطه بإرجاع وادي ملوية في ظل دولة بني مرين وتحت جوارهم لما كان ملاك أمرهم بيده ومصادرهم عن آرائه خطة ورثها عن أليه عريف بن يحيى مع السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن وابنه أبي عنان‏.‏فتقبل ملوك المغرب مذاهب سلفهم فيه وتمنوا برأيه واستناموا إلى نصيحته‏.‏فلما قدم عليه أخوه أبو بكر مستجيشاً بملك المغرب وأخبره باعتقال أخيه الآخر محمد قدح عزائمه وأوفد أخاه أبا بكر ومشيخة قومهم من بني مالك على السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن منصرفه من افتتاح جبل هتاتة وظفره بعامر بن محمد بن علي النازع إلى الشقاق في معتصمه فلقوه في طريقه ولقاهم مبرة وتكرمة‏.‏واستصرخوه لاستنقاذ أخيهم فأجاب صريخهم ورغبوه في ملك تلمسان وما وراءها فوافق صاغيته إلى ذلك بما كان في نفسه من الموجدة على السلطان أبي حمو بقبوله على من ينزع إليه من عربان المعقل أشياع الدولة وبدوها وما كان بعث إليه في ذلك وصرف عن استماعه فاعتزم على الحركة إلى تلمسان وألقى زمامه بيد ونزمار وعسكر بساحة فاس‏.‏وبعث الحاشرين في الثغور والنواحي من المغرب فتوافت الحشود ببابه وارتحل بعد قضاء النسك من الأضحى سنة إحدى وسبعين‏.‏واتصل الخبر بالسلطان أبي حمو وكان معسكراً بالبطحاء فانكفأ راجعاً إلى تلمسان فبعث في أوليائه من عبيد الله والأحلاف من عرب المعقل فصموا عن إجابته ونزعوا إلى ملك المغرب فأجمع رأيه على التحيز إلى بني عامرة وأجفل غرة المحرم سنة اثنتين وسبعين‏.‏واحتل السلطان عبد العزيز تلمسان في يوم عاشوراء بعدها‏.‏وأشار ونزمار بن عريف بتسريح العساكر في اتباعه فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي بن الكاس حتى انتهى إلى البطحاء‏.‏ثم لحق به هناك ونزمار وقد حشد العرب كافة وأغذ السير في اتباع السلطان أبي حمو وبني عامر‏.‏وكانوا قد أبعدوا المذهب ونزلوا على الدواودة وسرحني إليهم يومئذ السلطان عبد العزيز يحملهم على طاعته والعدول بهم عن صحابة بني عامروسلطانهم‏.‏وسرح فرج بن عيسى بن عريف إلى حصين لاقتضاء طاعتهم واستدعاء أبي زيان إلى حضرته أو نبذهم عهده وانتهينا جميعاً إلى بني زيان ففارقه أولياؤه ولحق بأولاد يحيى بن علي بن سباع من الدواودة‏.‏وانتهيت أنا إليهم فحفظت عليهم الشأن في جواره كما كانت مرضاة السلطان وحذرتهم شأن أبي حمو وبني عامر وأوفدت مشيختهم على ونزمار والوزير أبي بكر بن غازي فدلوهما على طريقه وأغذوا السير بيتوهم بمنزلهم على الدوسن آخرعمل الزاب من جانب المغرب ففضوا جموعهم وانتهبوا جميع معسكر السلطان أبي حمو بأمواله وأمتعته وظهره‏.‏ولحق فلهم بمصاب ورجعت العساكرمن هنالك فسلكت على قصور بني عامر بالصحراء قبلة جبل راشد التي منها ربا ولون سمعون وما إليهما فانتهبوها وخربوها وعاثوا فيها وانكفوا راجعين إلى تلمسان‏.‏وفرق السلطان عماله في بلاد المغرب الأوسط من وهران ومليانة والجزائر والمدية وجبل وانشريش‏.‏واستوسق به ملكه وانزاح عنه عدوه‏.‏ولم يبق به يومئذ إلا ضرمة من نار الفتنة ببلاد مغراوة بوعد من ولد علي بن راشد سخط خالد في الديوان ولحق بجبل بني سعيد‏.‏واعتصم به فجمر السلطان الكتائب لحماره وسرح وزيره عمر بن مسعود لذلك كما ذكرناه في أخبار مغراوة واحتقر شأنه‏.‏وأوفدت أنا عليه يومئذ مشيخة الدواودة فأوسعهم حباً وكرامة وصدروا مملوءة حقائبهم خالصة قلوبهم‏.‏منطلقة بالشكر ألسنتهم‏.‏واستمر الحال إلى أن كان ما نذكره‏.‏

  الخبر عن اضطراب المغرب الأوسط ورجوع أبي زيان إلى تيطرى

وأجلاب أبي حمو على تلمسان ثم انهزامهما وتشريدهما علي سائر النواحي كان بنو عامر بن زغبة شيعة خالصة لبني عبد الواد مذ أول أمرهم وخلص سويد لبني مرين كما قدمناه فكان من شأن عريف وبنيه عند السلطان أبي الحسن وبنيه ما هو معروف‏.‏فلما استبيحت أحياؤهم بالدوسن مع أبي حمو ذهبوا في القفر إشفاقاً ويأساً‏.‏من قبول بني مرين عليهم لكان ونزمار بن عريف وإخوانه من الدولة فحدثوا على سطانهم أبي حمويتقلبون معه في القفار‏.‏ثم نزع إليهم رحو بن منصور فيمن طاعه من رمه عبيد الله من المعقل‏.‏وأجلبوا على وجدة فاضطرم للنفاق على الدولة ناراً وخشي حصين مغبة أمرهم مع السلطان بما اتسموا به من الشقاق والعناد فمدوا أيديهم إلى سلطانهم أبي زيان وأوفدوا مشيختهم لاستدعائه من حلة أولاد يحيى بن علي فاحتل بينهم وأجلبوا له على المدية فملكوا نواحيها وامتننع عليهم مصرها واستمر الحال على ذلك‏.‏واضطرب المغرب الأوسط على السلطان وانتقضت به طاعته‏.‏وسرح الجيوش والعساكر إلى قتال مغراوة وحصين واجتمع مع أبو حمو وبنو عامر على قصده بتلمسان حتى إذا احتلوا قايباً منها دس السلطان عبد العزيز بعض شيعته إلى خالد بن عامر ورغبه في المال والحظ منه وكان أبو حمو قد أسفه بمخالطة بعض عشيره وتعقب رأيه برأي من لم يسم إلى خطته‏.‏ولم يرتض كفاءته فجنح إلى ملك المغرب ونزع يده من عهد أبي حمو‏.‏وسرح السلطان عبد العزيز عسكره إلى خالد فأوقع بأبي حمو ومن كان معه من العرب عبيد الله وبني عامر وانتهب معسكره وأمواله واحتقبت حرمه وحظاياه إلى قصر السلطان‏.‏وتقبض على مولاه عطية فمن عليه السلظان وأصاره في حاشيته ونجا بنفسه إلى تيكورارين آخر بلاد الصحراء فنزل بها منفرداً عن أهله وحاشيته ووزرائه‏.‏وأصفقت زناتة على خدمة ملك المغرب‏.‏ووافق هذا الفتح عند السلطان فتح بلاد مغراوة وتغلب وزيره أبي بكر بن غازي على جبل بني بوسعيد وتقبض على حمزة بن علي بن راشد في لمة من أصحابه فضرب أعناقهم وبعث بها إلى سدة السلطان وصلب أشلاءهم بساحة مليانة فتظاهر الفتح واكتمل الظهور‏.‏وأوعز السلطان إلى وزيره أبي بكر بن غازي بالنهوض إلى حصين فنهض إليهم وخاطبني وأنا مقيم ببسكرة في دعايته بأن احتشد أولياءه من الدواودة ورياح والتقى الوزير والعساكر على حصين تيطرى فنازلاه أشهراً‏.‏ثم انفض جموعهم وفروا من حصنهم وتمزقوا كل ممزق وذهب أبو زيان على وجهه ولحق ببلاد واركلي قبلة الزاب لبعدها عن منال الجيوش والعساكر فأجاروه وأكرموا نزله‏.‏وضرب الوزير على حصين والثعالبة المغارم الثقيلة فأعطوها عن يد وبهظهم باقتضائها ودوخ قاصية الثغور ورجع إلى تلمسان عالي الكعب عزيز السلطان ظاهر اليد‏.‏وقعد له السلطان بمجلسه يوم وصوله قعوداً فخماً وصل فيه إليه وأوصل من صحبه من وفود العرب والقبائل فقسم فيهم بره وعنايته وقبوله كل على شاكلته‏.‏واقتضى من أمراء العرب زغبة أبناءهم الأعزة رهناً على الطاعة‏.‏وسرحهم لغزو أبي حمو بمنتبذه من تيكورارين فانطلقوا لذلك‏.‏وهلك السلطان عبد العزيز لليال قلائل من مقدم وزيره وعساكره أواخر شهر ربيع الآخر من سنة أربع وسبعين لمرض مزمن كان يتفادى بالكتمان والصبر من ظهوره‏.‏وانكفأ بنو مرين راجعين إلى ممالكهم بالمغرب بعد أن بايعوا لولده دارجاً خماسياً ولقبوه بالسعيد وجعلوا أمره إلى أبي بكر بن غازي فملك أمرهم عليهم‏.‏واستمر حاله كما نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبرعن عودة السلطان أبي حمو الأخير إلى تلمسان الكرة الثالثة لبني عبد الواد في الملك

لما هلك السلطان عبد العزيز ورجع بنو مرين إلى المغرب نصبوا من أعياص بني يغمراسن لمدافعة أبي حمو من بعدهم عن تلمسان إبراهيم ابن السلطان أبي تاشفين كان ناشئاً بدولتهم منذ مهلك أبيه‏.‏وتسلل من جملتهم عطية بن موسى مولى السلطان أبي حمو وخالفهم إلى البلد غداة رحيلهم فقام بدعوة مولاه‏.‏ودافع إبراهيم بن تاشفين عن مرامه وبلغ الخبرإلى أولياء السلطان أبي حمو من عرب المعقل أولاد يغمور بن عبيد الله فطيروا إليه النحيب على حين غلب عليه اليأس‏.‏وأجمع الرحلة إلى بلاد السودان لما بلغه من اجتماع العرب للحركة عليه كما قلناه فأغذ السير من مطرح اغترابه‏.‏وسابقه ابنه ولي عهده في قومه عبد الرحمن أبو تاشفين مع ظهيرهم عبد الله بن صغير فدخلوا إلى البلد‏.‏وتلاهم السلطان لرابعة من دخولهم وعاود سلطانه واقتعد أريكته وكانت إحدى الغرائب‏.‏وتقبض ساعتئذ على وزرائه اتهمهم بمداخلة خالد بن عامر فيما نقض من عهده وظاهر عليه عدوه فأودعهم السجن وذبحهم ليومهم حنقاً عليهم‏.‏واستحكمت لها نفرة خالد وعشيره وخلصت ولاية أولاد عريف بن يحيى لمنافرة بني عامر إياه وإقبال السلطان عبد العزيز عليه‏.‏ووثق بمكان ونزمار كبيرهم في تسكين عادية ملوك العرب عنه ورجع إلى تمهيد وطنه‏.‏وكان بنو مرين عند انفضاضهم إلى مغربهم قد نصبوا من أقيال مغراوة ثم من بني منديل علي ين هارون بن ثابت بن منديل وبعثوه إلى شلف مزاحمة للسلطان أبي حمو ونقضاً لأطراف ملكه‏.‏وأجلب أبو زيان ابن عمه على بلاد حصين فكان

  الخبر عن رجوع أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد إلى بلاد حصين ثم خروجه عنها

كان الأمير أبو زيان ابن السلطان أبي سعيد لما هلك السلطان عبد العزيز وبلغه الخبر بمنجاته من واركلي نهض منها إلى التلول وأسف إلى الناجعة‏.‏التي كان منتزياً بها ومساهماً لأبي حمو فيها فاقتطعها لدعوته كما كانت‏.‏ورجع أهلها إلى ما عرفوا من طاعته فنهض السلطان أبو حمو إلى تمهيد نواحيه وتثقيف أطراف ملكه ودفع الخوارج عن ممالكه وظاهره على ذلك أمير البدو من زغبة أبو بكر ومحمد ابنا عريف بن يحيى‏.‏دس إليهما بذلك كبيرهما ونزمار وأخذهما بمناصحة السلطان ومخالصته فركبا من ذلك أوضح طريق وأسهر مركب‏.‏ونبذ السلطان العهد إلى خالد وعشيره فضاقت عليهم الأرض ولحقوا بالمغرب لسابقة نزوعهم إلى السلطان عبد العزيز‏.‏وابتدأ السلطان بما يليه فأزعج بمظاهرتهما علي بن هارون عن أرض شلف سنة خمس وسبعين بعد حروب هلك في بعضها أخوه رحمون بن هارون‏.‏وخلص إلى بجاية فركب منها السفين إلى المغرب ثم تخطى السلطان أبو حمو إلى ما وراء شلف‏.‏وسفر محمد بن عريف بينه وبين ابن عمه بعد أن نزع إليه الكثير من أوليائه حصين والثعالبة بما بذل لهم من المال وبما سيموا من طول الفنة فشارطه على الخروج من وطنه إلى جيرانهم من رياح على أتاوة تحمل إليه فقبل ووضع أوزار الحرب وفارق مكان ثورته‏.‏وكان لمحمد بن عريف فيها أثر محمود واستألف سالم بن إبراهيم كبير الثعالبة المتغلب على بسيط متيجة وبلد الجزائر بعد أن كان أخب في الفتنة وأوضع فاقتضى له من السلطان عهده من الأمان والولاية على قومه وعمله‏.‏وقلد السلطان ابنيه ثغور أعماله فأنزل ابنه بالجزائر لنظر سالم بن إبراهيم من تحت استبداده وابنه أبا زيان بالمدية‏.‏وانقلب السلطان إلى حضرته بتلمسان بعد أن دوخ قاصيته وثقف أطراف عمله وأصلح قلوب أوليائه وأستألف شيعة عدوه فكان فتحاً لا كفاء له من بعد ما خلع من ربقة الملك ونزع من لبوس السلطان‏.‏فانتبذ عن قومه وممالكه إلى قاصية الأرض ونزل في جوار من لا ينفذ أمره ولا يقوم بطاعته‏.‏والله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل عن يشاء‏.‏

  الخبر عن أجلاب عبد الله بن صغير

وانتقاض أبي بكر بن عريف وبيعتهما للأمير أبي زيان ورجوع أبي بكر إلي الطاعة كان خالد بن عامر وعبد الله ابن أخيه صغير وسائر إخوانهم من ولد عامر بن إبراهيم لحقوا بالمغرب صريخاً ببني مرين لما وقع بينهم وبين أبي حمو من الفعلة التي فعل خالد معه‏.‏ويئس عبد الله بن صغير من صريخهم بما عقد ونزمار بن عريف من السلم بين صاحب المغرب وصاحب تلمسان فخاض القفر بمن معه من قومه ولحق بوطن زغبة وأجلب على جبل راشد وبه العمور أحلاف سويد من بني هلال‏.‏فاعترضتهم سويد ودارت بينهم حرب شديدة كان الظهور فيها لسويد عليهم‏.‏وفي خلال ذلك فسد بين السلطان وبين أبي بكر بن عريف بسبب صاحب وانشريش يوسف بن عامر بن عثمان أراده السلطان على النزول عن عمله فغضب له أبو بكر لقديم الصداقة بين سلفهما ووصل يده بعبد الله بن صغير بعد الواقعة‏.‏ودعاه إلى بيعة أبي زيان فأجابه وأوفدوا رجالاتهم عليه بمكانه من مجالات رياح فوصل معهم ونصبوه للأمر وتحيز محمد بن عريف إلى السلطان في جموع سويد‏.‏ونهض السلطان من تلمسان فاتح سنة سبع وسبعين فيمن معه من قبائل بني عبد الواد وعرب المعقل وزغبة ودس إلى أولياء أبي زيان يرغبهم في المواعد‏.‏وحكم أبا بكر في الاشتراط عليه ففاء الطاعة والمخالصة‏.‏ورجع أبو زيان إلى مكانه من حلل الدواودة وأغذ السلطان السير إلى حضرته فتملى أريكته وحدث بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏